محمد بن عبد الله الصفار

95

رحلة الصفار إلى فرنسا

لخلق « أحسن الانطباعات لديهم بعظمة فرنسا وقوتها » « 1 » . ولم يفت الصفار التعبير عن استيائه من التعريج المتعب بأعضاء البعثة السفارية إلى مدينة تولون ( Toulon ) لحملهم على مشاهدة بعض من وحدات الأسطول الفرنسي . كما امتلأ قلبه بالحسرة والأسى في أعقاب الاستعراض العسكري الذي جرت وقائعه في ساحة شان - دومارس ( Champ - de Mars ) . ويحتوي متن الرحلة على تراتبية ضمنية للحقيقة ، مصحوبة بملاحظات مباشرة على أعلى المستويات . إذ لجأ الصفار إلى نقل المعلومات المستمدة من المصادر الإسلامية في الوسط ، بينما وضع الأخبار المستقاة من المسيحيين الذين كان ضيفا عليهم في المؤخرة . وكان بارعا بالفعل في إفصاحه عن القيمة الحقيقية لكل منهما . وعلى الرغم من تحمس الصفار للحقيقة ، فإنه لم يستطع أن يقدم لنا سوى انطباعات جزئية حول فرنسا . وذلك لأنه ظل محصورا بين أشياء شاهدها وبعض الأمور التي استطاع إدراك كنهها . وقد ظن الصفار ، مثله في ذلك مثل الطهطاوي ، أن فرنسا هي باريز بمفهومها الواسع ، أي مدينة الصالونات ، والشوارع الفسيحة ، والمدينة الزاخرة بمختلف المظاهر الاستعراضية « 2 » . إن الصفار لم يشاهد غير القليل من المظاهر القاتمة والسيئة لأعماق الحياة الباريزية : من انتشار للفقر والمرض وممارسة الدعارة ، وارتفاع لأعداد العاطلين عن العمل ، إلى جانب الفوارق الصارخة والمؤلمة الموجودة بين الأثرياء والبؤساء ؛ وكلها قضايا شغلت بال رجال الأدب المعاصرين من ذوي النزعة الاحتجاجية على الواقع

--> ( 1 ) العبارة مأخوذة من التعليمات الموجهة من كيزو ( Guizot ) إلى بورسي ( Pourcet ) وأورباين ( Urbain ) ، انظر : AAE / CPM ، 15 / 23 نونبر 1845 . وعبر الملك لوي فليب عن الفكرة نفسها بصريح العبارة ، في رسالته إلى السلطان عبد الرحمن بن هشام في موضوع زيارة السفير المغربي بقوله : « وقد أمرنا وزراءنا أن يبالغوا في إكرامه وتبجيله لكي تطيب له بلادنا وأن يعرضو عليه كل ما فيها من عجائب الفنون والصنايع » . من رسالة لويس فيليب إلى مولاي عبد الرحمن ، 13 فبراير 1846 ، مسجلة ضمن محفوظات مديرية الوثائق الملكية تحت رقم 17575 ، انظر : ( الملحق رقم 3 ) . ( 2 ) سبق للمستشرق الفرنسي سيلفستر دو ساسي ( Silvestre de Sacy ) ، أن لاحظ كيف عمم الطهطاوي أحكامه على الفرنسيين انطلاقا « مما هو سائد لدى سكان باريز » Louca , L'or , p . 218 .